ابن الفارض

96

تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )

أي : دع يا خليلي بطلب المحبوبة مرادك في حال كونك مطيعا معطيا زمامك وقيادك لها ، ولمن يدلّك عليها قيادا صادرا من نفس مطمئنّة بالمحبوبة ساكنا إليها ، لا إلى غيرها ، وهذا هو التقرّب إلى المحبوبة يقدم الإخلاص في طاعتها ، ثم أمر بالزهد في الحظوظ ثانيا ، والثبات عليه ثالثا ، بقوله : وأمس خليّا من حظوطك ، واسم عن * حضيضك ، وأثبت ، بعد ذلك ، تنبت ( تنبت ) من النبات مجزوم في جواب الأمر ، فلذلك كسر ، وجزمه علامة تأثير الأمر [ 115 / ق ] فيه وعلتيه له ، فمعناه : وأثبت لتنبت ، كما قيل : ( من ثبت نبت ) ، و ( الخلي ) : الفارغ ، و ( اسم ) : أمر من السموّ ، و ( الحضيض ) : سفح الجبل وأسفله ، أي : كن فارغا عن الحظوظ العاجلة والآجلة ، وارتفع من حضيض حظوظك إلى أوج مراد المحبوبة ، وأثبت بعد ذلك في هذا المقام تنبت ، أي : استقر لتضرب عروقك راسخة فيه ، وتنمو أعمالك ، وتزيد أحوالك ، كما ثبت الشجرة بعد ثباتها في الأرض ، وتضرب عروقها راسخة فيها ، وتنمو أغصانها وأنوارها ، وتزيد أزهارها وأثمارها ، ثم أمره بآداب الطاعة ، فقال : وسدّد ، وقارب ، واعتصم ، واستقم لها * مجيبا إليها ، عن إنابة مخبت ( التسديد ) : التسوية ، و ( المقاربة ) أن يقرب العبد من ربّه بالمراقبة والحضور ، و ( الاعتصام ) : أن يلوذ به في كل حال يحل به ، و ( الاستقامة ) : الوقوف على صراط الاعتدال من الإفراط والتفريط في الأعمال والأحوال والأخلاق ، و ( الإنابة ) : الرجوع إلى اللّه في كل شيء سواه ، قال الشيخ الإمام شهاب الدين عمر السهروردي - قدس اللّه سرّه المنيب - : « من لم يكن له مرجع سواه فيرجع إليه من رجوعه ، ثم يرجع من رجوع رجوعه ، فيبقى شبحا لا وصف له قائما بين يدي الحقّ سبحانه وتعالى مستغرقا في عين الجمع » . وقال بعضهم : ( الإنابة ) : الرجوع منه إليه ، لا من شيء غيره ، فمن رجع من غيره فقد ضيّع أحد طرفي الإنابة ، و ( الإخبات ) : الخضوع والتذلّل ، أي : سوّ بين ظاهرك وباطنك في التوجّه إلى المحبوبة ، وقاربها بالمراقبة والحضور ، واعتصم بها من كل ما يسلم ، واستقم على هذا الطريق لأجلها في حال كونك مجيبا لها ، حيث دعتك إجابة صادرة عن إنابة رجل خاشع خاضع متذلّل ، ثم أمره بتعجيل التوبة ، فقال : وعد من قريب ، واستجب ، واجتنب غدا * أشمّر ، عن ساق اجتهاد ، بنهضة